
قبل عشر سنوات وعشرة أشهر، وتحديداً عندما تم تدشين العهد الجديد للتقنية في السعودية، وأعني بذلك السماح بالوصول إلى الإنترنت، كنا في لهف وشوق شديدين لكي نتعرف إلى هذا العالم الذي سمعنا عنه الكثير وكان البعض يدخل له عن طريق البحرين، أذكر أنني اشتركت فوراً بالإنترنت وذلك عبر شبكة نسيج، وجلست أياماً وليالي أحاول الولوج للإنترنت عبر الاتصال العادي Dial-Up وهو الخيار الوحيد آنذاك، حيث لم (يلقط) معي الخط إلا بعد أيام عديدة بسبب الزحمة الشديدة من الناس الذين يحاولون الاتصال بالانترنت، أول دقيقة لي كانت تاريخية، حيث أنني على الفور فتحت المتصفح وتوجهت إلى موقع الياهوو لكي أرى ما هو هذا الموقع الذي أشغل العالم!
بعد دقائق فقط فصل الخط معي، ولكنها كانت من أكثر التجارب الممتعة، فقد شاهدت أول صفحة إنترنت -Online- في حياتي (وهنا أقصد الإنترنت وليس الإنترانت، فقد كنا ندخل قبلها لشبكات محلية مثل CCIS وشبكة نسيج وشبكة منتصف الليل وغيرها). وبعد ذلك بأيام استطعت الدخول مرة أخرى للإنترنت وعلى الفور فتحت برنامج NetMeeting وأخذت أبحث عن أصدقاء من شتى أنحاء العالم ثم فتحت موقع الساحة العربية وبقية المواقع التي كنت أسمع عنها. كانت الشبكة العنكبوتية ممتعة إلى حد لا يمكن تصوره الآن.
ومع بدايات دخولنا للإنترنت كانت هذه الشبكة السحرية لها طعم آخر، كنا سعيدين بهذا الكائن العجيب الذي يوصلك بالناس في شتى أنحاء المعمورة، وكنا مقبلين بنهم شديد لتصفح المواقع المتناثرة هنا وهناك، بل ولإنشاء المواقع (أنشئت أول موقع لي على الإنترنت مع العزيز برايفت بعد دخولي للشبكة بأربعة أشهر فقط! وكان اسمه موقع الآهات
)
ولكن الآن، هل لازال للإنترنت سحرها الكلاسيكي القديم؟ هل لازالت لها تلك المتعة القديمة؟ لا أعتقد ذلك، ولا أرى انبهاراً بتلك التقنية حتى في وجه أصغر أقاربي ذو الستة أعوام، وإن كان ذلك شيء طبيعي، لأن الإنترنت أصبحت الآن من ضروريات الحياة مثل التليفون والكهرباء، وربما أعزو ذلك للسهولة التي باتت تغلف الإنترنت الآن، فأكثر مرتادي النت لا يعلمون شيئاً عن أسرارها وطبيعتها التقنية وكيفية الوصول لها فعلاً. جل ما يعلمونه هو كيف يشغلون الجهاز ويفتحون المتصفح!
في السابق كان الجميع يتقن التعامل مع بروتوكولات مثل NetBIOS ويعلمون ماهي البورتات المفتوحة بأجهزتهم. كان المبتديء هو من لا يعرف سوى كيف يكتب الصفحات بلغة HTML التقليدية ويستخدم السكريبتات الجاهزة! كانوا يعلمون كيف يستخدمون الـ Telnet للوصول إلى السيرفرات والتعامل مع الملفات، بل وكانوا يتقنون أوامر Unix بكل سهولة! أما الآن، فقد تم تغليف التقنيات بواجهات مصطنعة تسهل الكثير على المستخدمين، لكنها تزيد حقيقة من الجهل في أمور الكمبيوتر والإنترنت.
تلك التجارب القديمة التي عاصرناها استطاعت تخريج العديد من رواد الإنترنت ومبدعيها، ولم يكن ذلك يعني بالضرورة تخصصهم في التقنية والكمبيوتر، لكن طبيعة الإنترنت سابقاً كانت تحتم على الجميع تعلم الكثير من أسرارها وتطبيقاتها، أما الآن فالتقنيات أصبحت تعتني في المقام الأول بالواجهات Interfaces، وتحاول قدر الإمكان تبسيطها وعدم إدخال المستخدم في التعقيدات التقنية، وبالتالي كسر نخبوية التطبيقات والشبكات.
لا أعلم فربما هذا الشيء جيد ومفيد للبشرية، وربما هو بسبب الفصل الذي يحصل بين الكمبيوتر كعلم وتخصص وبين الإنترنت كتقنية ضرورية للجميع، لكن، ألا نحتاج للإحساس قليلاً بروح الإنترنت؟ للدخول في عمق التقنية ومعرفة كيف تعمل الأشياء، لكي نكون منتجين أكثر لا متلقين. باختصار، للعودة إلى ما كانت عليه الإنترنت سابقاً حينما كانت تضع بعض الصعوبات، كي نتعلم كيف نتجاوزها بأنفسنا!
Popularity: 71% [?]
” هنا أكتب عن بعض مشاهداتي للأحداث، وما أمر به من مواقف، وأنتقد بعض التصرفات من وجهة نظري الشخصية. إذا كنت تبحث عن شيء غير تقليدي فأنصحك بالرجوع للخلف وعدم قراءة هرطقاتي “
كلام سليم , و لكن المشكله ان الشركات و الافراد ما زالو يسعون للبساطه بشكل مفرط .. ماذا نطلب اكثر من الموجود قد ياتي يوم لا نجد فيه انظمه تشغيل ، مجردمتصفحات انترنت بشاشه لمس فقط